القرطبي
340
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
المعنى لا تصانعوا بأموالكم الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها ، فالياء إلزاق مجرد . قال ابن عطية : وهذا القول يترجح ، لان الحكام مظنة الرشاء إلا من عصم وهو الأقل . وأيضا فإن اللفظين متناسبان : تدلوا من إرسال الدلو ، والرشوة من الرشاء ، كأنه يمد بها ليقضى الحاجة . قلت : ويقوى هذا قوله : " وتدلوا بها " تدلوا في موضع جزم عطفا على تأكلوا كما ذكرنا . وفى مصحف أبى " ولا تدلوا " بتكرار حرف النهى ، وهذه القراءة تؤيد جزم " تدلوا " في قراءة الجماعة . وقيل : " تدلوا " في موضع نصب على الظرف ، والذي ينصب في مثل هذا عند سيبويه " أن " مضمرة . والهاء في قوله " بها " ترجع إلى الأموال ، وعلى القول الأول إلى الحجة ولم يجر لها ذكر : فقوى القول الثاني لذكر الأموال ، والله أعلم . في الصحاح : " والرشوة معروفة ، والرشوة بالضم مثله ، والجمع رشى ورشى ، وقد رشاه يرشوه . وارتشى : أخذ الرشوة . واسترشى في حكمه : طلب الرشوة عليه " . قلت - فالحكام اليوم عين الرشاء لا مظنته ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ! . السابعة - قوله تعالى : " لتأكلوا " نصب بلام كي . " فريقا " أي قطعة وجزاء ، فعبر عن الفريق بالقطعة والبعض . والفريق : القطعة من الغنم تشذ عن معظمها . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، التقدير لتأكلوا أموال فريق من الناس . " بالاثم " معناه بالظلم والتعدي ، وسمى ذلك إثما لما كان الاثم يتعلق بفاعله . " وأنتم تعلمون " أي بطلان ذلك وإثمه ، وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية . الثامنة - اتفق أهل السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم مال قل أو كثر أنه يفسق بذلك ، وأنه محرم عليه أخذه . خلافا لبشر بن المعتمر ومن تابعه من المعتزلة حيث قالوا : إن المكلف لا يفسق إلا بأخذ مائتي درهم ولا يفسق بدون ذلك . وخلافا لابن الجباثى حيث قال : إنه يفسق بأخذ عشرة دراهم ولا يفسق بدونها . وخلافا لابن الهذيل حيث قال : يفسق بأخذ خمسة دراهم : وخلافا لبعض قدرية البصرة حيث قال : يفسق بأخذ درهم فما